محمد علي سلامة
33
منهج الفرقان في علوم القرآن
الواردة من جناب الحق فيحصل له من السرور ما تقصر عنه العبارة فكان ذلك دليلا على أن تفريق نزول القرآن مختص به صلّى اللّه عليه وسلّم . ومما يدل أيضا على أن التوراة نزلت جملة واحدة قوله تعالى فَخُذْها بِقُوَّةٍ « 1 » وقوله خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ « 2 » وقد علمت مما تقدم أن اللّه تعالي قد جمع في القرآن الأمرين : إنزاله جملة إلى سماء الدنيا للحكمة التي تقدمت ، وإنزاله مفرقا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سنذكره من حكم ذلك . حكمة إنزال القرآن مفرقا 1 - تثبيت فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسبب توالى نزول الوحي عليه وذلك من كمال عناية اللّه تعالى به وقد ذكر اللّه هذه الحكمة بقوله كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ « 3 » وقد ثبت اللّه تعالى فؤاده في أشد المواقف وأحرجها ، انظر إلى قوله لأبى بكر فيما حكاه عنه اللّه تعالى لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا « 4 » وما ذلك إلا من قوة يقينه ووثوقه بنصر اللّه مع ما يحيط به من الأعداء . وانظر إلى حالته صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوتى أحد وحنين وقد انهزم عنه أصحابه وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يزدد إلا قوة وتثبيتا وذلك كله بما كان يواليه اللّه به من تتابع الوحي وذكر قصص الأنبياء وأممهم ، وكيف كانت عاقبة الصبر يضاف إلى ذلك تتابع الوحي بالوعد والوعيد والبشارة والنذارة مما كان له أكبر الأثر في تثبيت فؤاده صلّى اللّه عليه وسلّم . ولا غرو فقد كانت هذه الحكمة من أعظم الحكم التي من أجلها نزل القرآن منجما لذا جعلها اللّه خير رد على من اعترض بعدم نزول القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جملة واحدة وأنه خالف بذلك سنن الكتب السابقة . 2 - قال اللّه تعالى وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا « 5 » أي لتقرأه علي تؤدة وتمهل . وهذه الحكمة التي ذكرها اللّه تعالى
--> ( 1 ) - سورة الأعراف ( الآية 145 ) ( 2 ) - سورة الأعراف ( الآية 171 ) ( 3 ) - سورة الفرقان ( الآية 32 ) ( 4 ) سورة التوبة ( الآية 40 ) ( 5 ) - سورة الإسراء ( الآية 106 )